الخطيب الشربيني
409
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
من أحد يأتي بسنة غيرها تكون بدلا لها ؛ لأنه تعالى لا مكافئ له وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ أي : الذي لا أمر لأحد معه تَحْوِيلًا أي : من حالة إلى أخف منها ؛ لأنه لا مرد لقضائه . فائدة : ترسم سنت لسنت الثلاثة بالتاء المجرورة كما رأيت ، ووقف أبو عمرو وابن كثير والكسائي بالهاء ، والباقون بالتاء ، وإذا وقف الكسائي أمال الهاء على أصله . ولما ذكر الله تعالى الأولين وسنتهم في إهلاكهم نبههم بتذكير حال الأولين بقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا أي : فيما مضى من الزمان فِي الْأَرْضِ أي : التي ضربوا في المتاجر بالسير إليها في الشام واليمن والعراق فَيَنْظُرُوا أي : فيتسبب عن ذلك السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوما من الأيام ، فإن العاقل من إذا رأى شيئا تفكر فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عليه ما جرى من مقاله ، وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن أمثاله فاستحق السؤال عن حاله كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ أي : آخر أمر الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي : على أي حالة كان آخر أمرهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل عليهم السلام فيخافوا أن يفعلوا مثل أفعالهم فيكون حالهم كحالهم فإنهم كانوا يمرون على ديارهم ويرون آثارهم ، وأملهم كان فوق أملهم وعملهم كان دون عملهم ، وكانوا أطول منهم أعمارا وأشد اقتدارا ومع هذا لم يكذبوا مثل محمد صلّى اللّه عليه وسلم . وأنتم يا أهل مكة كفرتم بمحمد ومن قبله عليهم السلام وَكانُوا أي : أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا ، والحال أنهم كانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ أي : من هؤلاء قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ أي : الذي له جميع العظمة وأكد الاستغراق في النفي بقوله تعالى : لِيُعْجِزَهُ أي : مريدا لأن يعجزه ، ولما انتفت إرادة العجز فيه انتفى العجز بطريق الأولى ، وأبلغ في التأكيد بقوله تعالى : مِنْ شَيْءٍ أي : قل أو جل وعم بما يصل إليه إدراكنا بقوله تعالى : فِي السَّماواتِ أي : جهة العلو ، وأكد بقوله عز وجل وَلا فِي الْأَرْضِ أي : جهة السفل إِنَّهُ كانَ أي : أزلا وأبدا عَلِيماً أي : بالأشياء كلها حقيرها وجليلها قَدِيراً أي : كامل القدرة أي : فلا يريد شيئا إلا كان ولما كانوا يستعجلون بالتوعد استهزاء ، كقولهم : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] على أن التقدير ولو عاملكم الله تعالى معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم عطف عليه قوله تعالى إظهارا للحكم مع العلم . وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ أي : بما له من صفات العلو النَّاسَ أي : المكلفين بِما كَسَبُوا أي : من المعاصي ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها أي : الأرض مِنْ دَابَّةٍ أي : نسمة تدب عليها كما كان في زمن نوح عليه السّلام أهلك الله تعالى ما على ظهر الأرض إلا من كان في السفينة مع نوح . فإن قيل : إذا كان الله تعالى يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدواب ؟ أجيب : بأن المطر إنعام من الله في حق العباد ، وإذا لم يستحقوا الإنعام قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فيموت جميع الحيوانات ، وبأن خلقة الحيوانات نعمة والمعاصي تزيل النعم وتحل النقم والدواب أقرب النعم ؛ لأن المفرد أولا ثم المركب ، والمركب إما أن يكون معدنا وإما أن يكون ناميا ، والنامي إما أن يكون حيوانا أو نباتا ، والحيوان إما إنسان أو غير إنسان فالدواب أعلى درجات المخلوقات في عالم العناصر للإنسان . فإن قيل : كيف يقال لما علته الخلق من الأرض وجه الأرض وظهر الأرض مع أن الظهر مقابله الوجه فهو كالمتضاد ؟ أجيب : بأن الأرض كالدابة الحاملة للأثقال والحمل يكون على